ابن قيم الجوزية

69

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

وأربعة كتب : جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن ، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن . وجمع معاني القرآن في المفصل ، وجمع معاني المفصل في الفاتحة ، ومعاني الفاتحة في « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين : فنصفها له تعالى وهو « إياك نعبد » ونصفهما لعبده وهو « إياك نستعين » وسيأتي سر هذا ومعناه إن شاء اللّه في موضعه . والعبادة تجمع أصلين : غاية الحب بغاية الذل والخضوع . والعرب تقول : طريق معبد أي مذلّل ، والتعبد : التذلل والخضوع ، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له ، لم تكن عابدا له ، ومن خضعت له بلا محبة ، لم تكن عابدا له ، حتى تكون محبا خاضعا ، ومن هاهنا كان المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية ، والمنكرون لكونه محبوبا لهم ، بل هو غاية مطلوبهم ووجهه الأعلى نهاية بغيتهم : منكرين لكونه إلها ، وإن أقروا بكونه ربا للعالمين وخالقا لهم ، فهذا غاية توحيدهم . وهو توحيد الربوبية ، الذي اعترف به مشركو العرب ، ولم يخرجوا به من الشرك ، كما قال تعالى : 43 : 87 وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ ؟ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وقال تعالى : 39 : 38 وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ * 23 : 84 - 89 قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها ؟ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ * ولهذا يحتج عليهم به على توحيد إلهيته ، وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره ، كما أنه لا خالق غيره ولا رب سواه . والاستعانة : تجمع أصلين : الثقة باللّه ، والاعتماد عليه ، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس ، ولا يعتمد عليه في أموره ، مع ثقته به ، لاستغنائه عنه . وقد يعتمد عليه ، مع ثقته به لحاجته إليه ، ولعدم من يقوم مقامه . فيحتاج إلى اعتماده عليه . مع أنه غير واثق به . والتوكل معنى يلتئم من أصلين : من الثقة ، والاعتماد ، وهو حقيقة